عبد المجيد العابد
السيميائيات
التواصل والتواصل الفعال في الإشهار

    

        تحليل ملصق إشهاري

عبد يعتبر الخطاب الإشهاري خطابا سوسيو اقتصاديا يعمد إلى استثمار جماع المعطيات البصرية واللسانية وكذلك التركيز على المثيرات السيكولوجية للدفع بالمتلقي(المستهلك) إلى القيام بفعل الشراء. إن تحقيق هذا الفعل باعتباره المبتغى الأسمى للتواصل الإشهاري لا يتم عبر الإقناع المنطقي البرهاني بجودة المنتج باعتباره موضوع قيمة، بل بالاعتماد على الاستيهامات البلاغية الانفعالية التي تشبه التجربة البافلوفية (نسبة إلى بافلوف(Pavlov))، حيث تلعب العلامات بمختلف تمفصلاتها دور المثير الذي يدفع متلقي الإشهار إلى فعل الاستجابة(الشراء).

لقد عودتنا "اتصالات المغرب" بإشهاراتها المختلفة المتباينة أن تمس كل شرائح المجتمع في كل وصلة إشهارية (Spot publicitaire) أو ملصق إشهاري (Affiche publicitaire) أوإعلان (Annonce) ...فهي تختار دائما فئة مستهدفة مخصوصة تستطيع أن تستثير اهتماماتها ورغباتها وفق المعايير التي تراها الشركة مطلوبة، لأن الدال الإشهاري(Signifiant publicitaire) نفسه لا يتجه إلى كل الفئات، فهو ينتقي مدلولاته (Signifiés) ويستهدفها، فما الذي يجعلنا لا نستطيب بعض اللوحات الإشهارية بينما نستحسن لوحات إشهارية أخرى ونراها مناسبة وتفي بالغرض؛ بينما آخرون غيرنا يستهجنون مانستحسنه ويستحسنون ما لم نستطبه؟

        لا يعدو الأمر أن يكون، ببساطة، أن الدوال الإشهارية التي لم نستطبها لا تنتمي إلى الكون القبمي الذي نتحرك فيه استنادا إلى طبيعة تنشئتنا الاجتماعية ونظرتنا للعالم والأشياء، لذلك لا نتفاعل معها بينما غيرنا تستثيرهم وتجلب انتباههم إليها استثارة المنبه للاستجابة، لأنها تنتمي بالضرورة إلى أكوانهم القيمية ونظرتهم للوجود.

        يظهر من خلال اللوحات الإشهارية التي تتخذها شركة "اتصالات المغرب" عمادا(Support) للترويج لمنتجها بمختلف أنماطها الخطابية أنها تأخذ بعين الاعتبار هذا الاختلاف في الدوال الإشهارية والمدلولات المستلزمة عنها.

        هذا المعطى الذي نستند إليه سنحاول اختباره في لوحة إشهارية مخصوصة، يتعلق الأمر بملصق إشهاري للشركة عينها، يهم أساسا التيليكارط (Télécarte) التي تستفرد بها الشركة في الاتصال، وهي بذلك قيمة وخدمة مضافة إلى جملة الخدمات التي تقدمها الشركة لزبائنها الكثرة.

        تنتظم الملصق مجموعة من العلامات البصرية (Signes visuelles):التشكيلية (Plastiques) منها والأيقونية (Iconique) ثم العلامات اللسانية (Signes linguistiques) المرتبطة بها لزوما في الخطاب الإشهاري (Discours publicitaire) ذي النمط  التقليدي عموما؛ في أعلى الصفحة كتب بخط أزرق بارز باللغة الفرنسية:

La Télécarte

 nous réunit

à petit prix

أسفله مباشرة وفي وسط الملصق ومركزه، يقع جهاز استعمال التيليكارط المعروف، وعلى جانب هذا الجهاز على اليمين ثلاث فتيات في مقتبل العمر يقفن بوضعات (Poses) مختلفات متباينات، وفق سلمية محددة: في الأمام شقراء تلبس زيا عصريا يغلب عليه اللونان الأخضر والأحمر، وهي تقف بخيلاء مثبتة يدها اليسرى على الجهاز وفي يدها اليمنى تيليكارط، بعدها مباشرة فتاة أخرى بلباس أزرق بكل تفاصيله الفارقة، تقبض بين أنامل يدها اليمنى البطاقة عينها بينما تقف الثالثة خلفهما بزي أصفر شاهرة بيدها البطاقة. الفتيات جميعهن، ينظرن نظرة (Regard) أمامية رغم اختلاف وضعاتهن.

يقف في مقابل هِِؤلاء الفتيات الثلاث، إلى جانب الجهاز على اليسار، ثلاثة فتيان في مقتبل العمر أيضا بوضعات متباينات، يلبس الذي يتقدمهم لباسا هيبهوبيا، وبوضعة مائلة بيمينه تيليكارط، بينما يأتي الآخران بتواز وراءه، يميل الذي يوجد يسارا على زميله حاملا البطاقة بيده اليسرى، أما ثالث الثلاثة فيقف وقفة شبه عادية متكئا على الجهاز بيده اليمنى البطاقة المعينة.                        

        توجد في الأعلى جملة من الأشكال البصرية المختلفة يغلب عليها اللون الأحمر، تتضمن ورودا بيضاء، كما تغلب على الحقل البصري (Champ visuel) بقع متعددة الألوان (الوردي الداكن منه والمفتوح والأصفر بنوعيه والأزرق السماوي والبحري).

        وفي أسفل الملصق يوجد في اليسار مميز (Logo) الشركة المعروف،  وفي أقصى اليمين كتب بخط بارز كبير الحجم Télécarte، وعلى مساحة وردية داكنة توجد إلى جانب المميز على خلفية زرقاء داكنة، كما كتب على حافة الملصق اليسرى الاستبيان الاقتصادي للشركة (مقر الإدارة العامة، رأسمالها...).

        هذا كل ما يقوله المؤول المباشر لهذه العلامات البصرية والعلامات اللسانية، فنحن وقفنا فقط عند ما تحيل إليه هذه العلامات بطريقة عفوية مباشرة، عند حدود المعاني التقريرية (Dénotatifs)، التي تظل مأسورة بمقتضى الظاهر، وعند التخوم التي تسيجها، وتقدمها هذه العلامات في معانيها الحرفية.

إن التحليل السيميائي لا يرتضيه الوقوف عند هذا الحد من التدليل (Signification) الذي يقف عنده الحس المشترك ويشترك فيه الناس جميعهم، بل ينبغي للأخذ بتلابيب المعنى والقذف به نحو ساحة التداول البحث في شكل دلالة هذه الصورة، باستدعاء مؤول دينامي يطرح تدلال(Sémoisis)  هذه العلامات في سيرورة لامتناهية من التأويلات الواردة  (Pertinentes) هي الكفيلة بالانتقال من القيم الأكسيولوجية (Axiologie باعتبارها قيما مجردة غفلا، إلى مختلف تمظهراتها الإيديولوجية (بمعناها السيميائي)، أي الانتقال من التقرير إلى الإيحاء (Connotation)، ومن المعاني الحرفية إلى المعاني المستلزمة حواريا.

يعد هذا الملصق من النمط التقليدي لهذا النوع من الخطاب الإشهاري، فكل تمفصلاته وطرائق بنائه تحيل إلى ذلك، سواء من حيث الإطار(Cadre) أم التأطير(Cadrage) أم الحقل البصري والمنظور(Perspective) وكيفيات تنظيم العلامات جميعها في النص، لذلك يمكن قراءته وفق ما اقترحه رولان بارت (Roland Barthes) سابقا، أي أن الملصق الإشهاري يقرأ على شكل z ومادام مكتوبا بالفرنسية، فقراءته سوف تتخذ مسار اللغة الفرنسية، من اليسار إلى اليمين، ومن الأعلى إلى الأسفل، حيث العين تتجه الاتجاه ذاته، سواء في العلامات البصرية أم في العلامات اللسانية.

 هكذا على يسار اللوحة كتب في الأعلى بخط بارز:                

La Télécarte

 nous réunit

à petit prix

        "التيليكارط تجمعنا بثمن زهيد"، فلماذا اللون الأزرق واللغة الفرنسية؟ أليست اللغة العربية كفيلة بالتعبير عن مقتضيات هذا الخطاب الإشهاري؟ أم أن الأمر مرتبط بأشياء أخرى؟

         يتعلق اللون الأزرق بشركة اتصالات المغرب ابتداء، وهذا اللون بطبيعته دال على كل ما نراه فسيحا وممتدا وشاسعا، لذلك كان قرين البحر والسماء رمزا الامتداد والشساعة والجلل واللامتناهي، تبتغي من ورائه الشركة عينها الامتداد عبر الزمان والمكان والوصل بين أزمنة وأمكنة وأنماط في الوجود والقيم والإيديولوجيات، وكل ما ينتمي إلى الكون الإنساني عموما.

        إن اختيار اللغة الفرنسية لم يكن اعتباطا لأن الملصق نفسه لا يهم إلا فئة مخصوصة وكونا قيميا يرى في الفرنسية لغة التواصل المثلى، كما أن هذه الفئة اختارت اللغة الفرنسية للتواصل اليومي بينها، حتى إذا لم تستطع التخلي عن لغتها الأم (العربية المغربية)، استبدلت العرنسية بالفرنسية، وخلقت تهجينا ترى فيه دالا على اللياقة واللباقة و"البروتوكول" في التداول اليومي، كما أن زبائن "اتصالات المغرب" ليسوا بالضرورة فقط الذين يتكلمون اللغة العربية و/أوالعربية المغربية فحسب، بل أيضا الذين يتواصلون باللغة الفرنسية.

ولعل هذا ما يجعل الارتباط بين اللون الأزرق واللغة الفرنسية أمرا واردا في هذا الملصق الإشهاري، فهما معا متضافران يحيلان إلى التواصل الفعال عبر التلاقح والامتداد الذي تسهم فيه، بطبيعة الحال "اتصالات المغرب"، وأيضا فإن استعمال اللغة الفرنسية يرتبط بالجذب السياحي كذلك، فالشركة في هذا الملصق وغيره تخاطب المواطنين المغاربة (في الداخل وفي الخارج) وغيرهم من الذين جعلوا المغرب بوابة لهم، وجميع الوافدين يعلمون، طبعا، أن اللغة الفرنسية هي اللغة الأجنبية الأولى في المغرب مما يجعل الشركة تمتد عبره في المكان والزمان والقيم وتصبح بذلك حاضنة له، حيث ينظر إليها باعتبارها مواطنة.

        يقع في وسط الملصق جهاز للتيليكارط بوصفه عمادا لها في الاستعمال، لماذا وجد في الوسط وليس في أي مكان آخر؟ إن الأمر يتعلق بتبئير الرؤية (Focalisation de la vision)، فغالبا ما تتجه العين نحو الوسط، نحو البؤرة (Focus )؛ والوسط في ثقافتنا عموما مشتهى ومبأر مرغوب فيه، فنحن نرتاح إلى كل ما ينتمي إليه، سواء كان دينيا أم ثقافيا أم اقتصاديا ... وبما أن الجهاز هو عماد استعمال التيليكارط فقد ارتأى المشهر  (Publiciteur) أن يجعله وسطا بين مجموعة من العلامات البصرية المختلفة الدالة، فانطلاقا منه ننتقل إلى إدراك (Perception) كل تلك العلامات، ونضمن التواصل والامتداد والتقارب الذي تريده اتصالات المغرب بين زبائنها، لذلك حمل الجهاز اللونين المميزين لـ "اتصالات المغرب"(الأزرق والبرتقالي)، فبمجرد مايطالعنا الجهاز نستثار مباشرة باللونين اللذين أصبحا قريني الشركة المعينة.

        على جانب الجهاز يمينا، تقف ثلاث فتيات في مقتبل العمر بوضعات مختلفات، يحملن بين أناملهن تيليكارطات، لماذا ثلاثة و ليس أقل أو أكثر؟ ولماذا هذا النموذج من الفتيات وليس غيره؟

        إن الأمر مرتبط بتحديد الفئة المستهدفة، أي بالمدلول الإشهاري نفسه، الذي تحيل إليه جملة هذه العلامات بوصفها دالا إشهاريا يستهدف الملصق كونا قيميا مخصوصا، هن ثلاث لأن العدد نفسه له دلالات ثابتة في الثقافة العربية ابتداء والثقافة الغربية أيضا(التثليث مثالا)؛ يرتبط في ثقافتنا العربية بالتواصل الفعال بين الأفراد بمختلف تمفصلاته، فهؤلاء الفتيات الثلاث يشكلن نمطا نموذجيا  ((Prototype لكل الفتيات، يريد هذا الخطاب من ورائه القول، عن طريق الاستيهامات الانفعالية المثارة، عليك أيتها الفتاة التي تريدين الوصول إلى موضوع القيمة (Objet de valeur)، إلى فارس الأحلام،عليك أن تقتفي هذه الأنماط النموذجية، اللواتي جعلن التيليكارط وسيلتهن المفضلة في التواصل، ومن تم الحصول على موضوع القيمة التي تتغياه كل فتاة في مقتبل العمر.

        تتزيى هؤلاء الفتيات الثلاث بزي عصري يعد نسقا للموضة (Système de la mode)، هذا النسق الذي لم يعد فيه اللباس مرتبطا بتحقيق الحاجات النفعية للإنسان (الوقاية من عاديات الدهر والستر)، بل أصبح بديهة مزيفة يشير من خلاله الفرد إلى انتمائه الطبقي ووعيه الجمعي ونظرته للعالم والأشياء بغية تحقيق أهداف متعية، فهن يلبسن بتلك الطريقة لكي يعربن عن انتمائهن قيميا.

        تختلف الفتيات في سيمائهن: الشقراء والبيضاء ذات الشعر الملولب وصنوتها ذات الغدائر المنسدلة، كما أن وضعاتهن مختلفات، تقف الأولى بخيلاء أما الثانية فشبه مقرفصة، بينما الثالثة بوقفة عادية؛ يجمع بين هؤلاء الفتيات أنهن ينظرن نظرة جانبية مباشرة نحو الرائي، مما يحيل إلى التواصل والتفاعل، لأن الأنا حينما تتجه نحو الأنت /الرائي، فتشير هذه النظرة إلى رغبة الأنا في الأنت (المستهدف من هذا الخطاب)، لكنها نظرة مليئة بالأنوثة تستثير الاشتهاء، وهو بذلك خطاب إقناعي موجه نحو الوجدان وليس إلى العقل، يجعل الرائي سلبيا يستجيب دون وعي بذلك، لأن الأمر مرتبط ابتداء بالمتعة التي تحققها هذه الأنماط النموذجية الثلاثة.

إن هؤلاء الفتيات لا يقدمن شيئا متعيا سوى البطاقة، تصبح بذلك البطاقة عمادا للاشتهاء، وعاملا مساعدا في الحصول على موضوع القيمة الذي يريده العامل الذات (متلقي الملصق)، يدعم هذا الأمر وضعات الفتيات الأنثوية والألوان المنتقاة، فاللونان الأخضر والأزرق مرغوب فيهما إلى جانب وجوه الفتيات الحسنة (الماء والخضرة والوجه الحسن)، أما الأصفر فلون الضرورة والمنطق فيتوافق مع وقفة الفتاة وشعرها المنسدل.

نجد في هذا الملصق أشياء موحدة، وأشياء تختلف فيها هؤلاء الفتيات، يتمظهر المختلف في لون الشعر وطريقة تسريحته والوضعة والزي مع لونه، لكن ما يوحد هو: النظرة الجانبية والأنوثة وريعان الشباب ومربط الفرس في الصورة كلها: التيليكارط. إن طبيعة الاتصال والتواصل هنا هو ربط بين المختلف سواء كان جنسا أم رؤية...الداعم فيه البطاقة، فبمن ستخلق هذه الأنماط تواصلا فعالا؟

سيكون بالضرورة مع المختلف، مع النصف الآخر المكمل الذي تحلم به كل فتاة في مقتبل عمرها، لذلك يوجد في الجانب الآخر من الجهاز العماد ثلاثة فتيان في عنفوان شبابهم، وكأن الأمر يتعلق بنسخة اختلافية، هؤلاء الفتيان يحيلون أيضا إلى كون قيمي مخصوص، يشيرون إلى هذه الموجة التي أصبح الشباب يقتفونها، فهم يلبسون بطريقة مختلفة ويتكلمون بلسان غير معتاد ويفكرون إذا بطريقة مختلفة، هؤلاء الثلاثة أنماط نموذجية لفئة الشباب مناط هذه الإرسالية الإشهارية كون مختلف في كل شيء ألفناه سابقا، فاللباس الهيبهوبي يخاطب تلقائيا كل هؤلاء الشباب الذين تأثروا بهذا النمط المستحدث فكرا وسلوكا، ويحيل إلى أن الشركة عينها لها امتداد مساير في الزمن والذهنيات، فهي لا تبقى رهينة السالف لأنه يمكن أن يتجاوز، بل تأخذ بتلابيب العصر والحداثة، كما يحيل إلى التواصل والامتداد المتجددين دعامتهما الأساس الخدمات الموجهة لزبائن الشركة المتعلقة هنا بالتيليكارط التي يحملها الفتيان الثلاثة بأيديهم، ويغلب على زي الفتيان اللون الأزرق باعتباره لونا مفضلا ومميزا للشركة. إن نظرة الفتيان المواجهة تشرك المتلقي في التخاطب، كما أن الوضعة تحيل إلى المشاركة بالطريقة التي تراها هاته الفئة مناسبة.

هناك أشياء كثيرة رابطة بين الفتيان والفتيات، تجعل من التيليكارط ضامنا للمساواة والعدالة بين الرجل والمرأة منها: العدد ثلاثة والنظرة التواصلية والزي والبطاقات التي يحملونها بأيديهم اليمنى إلا واحدا، ولا تخفى الحمولة الدلالية الإيجابية في أخد الشيء باليمين، وهي ظاهرة الانتماء الفئوي عند الفتيان غائبة عند الفتيات، اثنتان منها من فئة عشرة دراهم، في حين أن الثالثة من فئة خمسة دراهم فقط. لماذا هذا العدد إذا؟

إن الأمر يرتبط بالتواصل بأقل الأثمان، خصوصا حينما يتعلق الأمر بهذه الفئة العريضة من الشباب، فإذا كانت مظاهرها تحيلك إلى الغنى فإن جيوبها تلوح بك إلى الفاقة، لذلك لم يكن اختيار هاتين الفئتين من البطاقات اعتباطا، وهذا أيضا ما تعمل على إرسائه (Encrage) العلامة اللسانية، وتقلص من دلالات الصورة، فالتيليكارط التي تجمع الشباب بأبخس الأثمان لا يمكن أن تكون من فئة خمسين درهما  أو مائة درهم للأسباب السالفة الذكر. لماذا حضر تفييء البطاقات عند الفتيان بينما غاب عند الفتيات؟

يتعلق الأمر بالانجذاب الذكوري نحو الإناث( لعبة المثير والاستجابة) وسيلته البطاقة المعينة، كما يحيل أيضا إلى نمط من التفكير الأبيسي الذكوري يجعل للذكر حق الريادة، فهو الذي يتصل(المرسل) وليست هي(المرسل إليه)، لأن طبعها التمنع (يتمنعن وهن الراغبات)، لكن بإمكانهن أن يقمن بالفعل نفسه بقرينة البطاقات(عماد التواصل) الضامنة لهذا التفاعل والاستمرار في التواصل والاتصال والوصل بثمن بخس دريهمات معدودات فقط.

يقع في خلفية الصورة في أعلاها دوائر مؤطرة على شكل قطعة نقدية لا ندرك انتماءها لكن بالنظر إلى فئات التيليكارط والنقود المغربية اتضح أن الأمر يتعلق بقطعة نقدية من فئة عشرة دراهم أومن فئة خمسة دراهم، فهي تختزل إذا مضمون العلامة اللسانية وتعدد دلالات الصورة، وتجعل إلى جانب كل هذه العلامات الملصق يدور حول نواة معنوية أساس هي التواصل الفعال بأقل الأثمان، وما يتناسل عن هذا التواصل من مضامين وقيم.

إلى جانب القطعة هناك أشكال هندسية يغلب عليها اللون الأحمر على شكل أريج متوهج فائح، إن اللون الأحمر يرمز إلى التوهج والشدة والعنفوان، لذلك يبدو مناسبا للفئة الشابة مناط هذا الخطاب، كما أن هذا اللون عينه يرتبط في الثقافة المغربية خصوصا بالفرح والتجمع الأسري أو بين الأصدقاء وبداية علاقة جديدة...إلخ، فهو يحضر دائما في احتفالاتنا وكأننا لا نسر إلا به (العيد والعقيقة والعرس...)، وهذا اللون إذا ارتبط بالأبيض، لون البداية والأمل واللالون واللون الأميري كما في الصورة، أشار إلى البداية التي يعشقها كل فتى وفتاة في مقتبل العمر، بداية علاقات جديدة، لذلك كانت الوردة البيضاء حاضرة، فأن يقدم الرجل وردة بيضاء إلى امرأة دليل على رغبته في وصلها.

كتب أخيرا في أسفل الملصق يمينا بحجم كبير وبلون أزرق داكن Télécartes، جاءت جمعا نكرة يدل على التيليكارط بكامل فئاتها، وهي في مقابل الرسالة اللسانية الواردة في أعلى الصفحة التي جاءت مفردة معرفة، لأن هدف الأخيرة الوحيد إرساء معنى أوحد مشارا إليه في النواة المعنوية للنص، نطمئن إليه عبر الموؤل النهائي لهذا الملصق، يتعلق الأمر بالدور الفعال الذي تلعبه البطاقة في التواصل والتقارب بأرخص الأثمان، وعلى اليسار يوجد المميز  (Logo)للشركة، ويحيل إليها ويسمها ويرمز إليها بالنظر إلى الشركات المنافسة وغيرها، كتب باللغة الفرنسية تناسبا مع باقي العلامات التي يحضنها الملصق، وهو بتفاصيله تلك يشير إلى المواطنة.

هكذا يتبين أن الخطاب الإشهاري عامة خطاب مزدوج، فهو إلى جانب بعده الاقتصادي الأساس، يعمل أيضا على الدفع بمضامين قيمية بالغة الأهمية في الوجود الإنساني عامة، ولا يمكن سبر أغوار هذه المضامين والكشف عن تناسلها الإيديولوجي، ونقلها من مستواها الغفل الأكسيولوجي، إلا باستحضار الموسوعة الإدراكية والمقام التواصلي الذي يتحرك فيه هذا الخطاب عينه، وفق ما يسمح به المنهج السيميائي في التحليل.

 

 

 

 

 

 

 الملحق: الملصق المحلل

 

 



أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية